السيدة الفاضلة أم معاذ، أحيي حرصك واهتمامك بالابن الغالي، وألتمس لك العذر كأم جديدة تتحمس لحسن تربية أبنائها ولكن ربما يغيب عنها العلم بمراحل النمو وأهداف التربية في كل مرحلة.. فكثير من الأمهات يعاملن الصغار معاملة المكلفين الناضجين ويقعن في كثير من المشكلات.فالتربية خطوات متدرجة متعددة المراحل طويلة المدى، تحتاج إلى علم وخبرة وتدريب وترتيب وصبر وتحمل.
اسمحي لنا أم معاذ في جو من الود والحرص على بلوغ الهدف والوصول للحل أن نوضح بعض النقاط التي نوصف من خلالها الاستشارة ونحدد أبعادها:
- الابن الحبيب معاذ عمره عامان. المشكلة الأولى: (يقوم بضرب كل من يعرفهم) طريقة الضرب: (دون مراعاة، حيث إنه يقوم بضرب الأطفال بأي شيء موجود معه)، إذن الطريقة تحمل الحدة والشراسة مما يشخص الرغبة في التنفيس واستخراج المكبوتات. مدة المشكلة: (هذه الظاهرة موجودة عنده منذ عشرة أشهر)، أي منذ كان عمره 14 شهرا. المشكلة الثانية: (وقد بدأت أسمع كلام أنه غير مؤدب)؛ مما يوضح مفهوم حضرتك عن المتوقع من أدب وسلوك طفل ابن العامين.
- سلوك الأم مع الطفل: (وقد بدأت أتعصب عليه وأضربه بسبب هذه المشكلة)؛ مما يشخص أن من مفاهيم حضرتك قبول الضرب وممارسته في هذه السن (عامين)، وكذلك يشخص تعصب حضرتك على الابن الحبيب، وكأنك ضقت ذرعا بالبرعم الصغير البادئ في النمو وبدأت تترصدينه وتتصدين له وتعاقبينه في هذه السن.
- ساعات تواجد الأم مع الابن الحبيب يوميا 10 ساعات فقط؛ مما يشخص قلة تواجد حضرتك واحتياج الابن الغالي لمزيد من الحنان والاحتضان الذي قد يترجم في صورة ميول عدوانية أو أن الطفل قد يختلط بآخرين فيقلد سلوكياتهم.
إذن نحن في حاجة لأن نتعرف على بعض سمات الطفل في سن العامين والمتوقع من سلوكه، وكذلك مراحل قدرة الإنسان على إدراك التكليف والمحاسبة على تصرفاته، وكذلك نتعرف على ما هو الطبيعي وغير الطبيعي بالنسبة للسلوك العدواني وكذلك دراسة الأسباب والعلاج.بعض خصائص وسمات واحتياجات الطفل في سن العامين: أول عامين في حياة الطفل يمثلان في مراحل النمو العقلي والمعرفي: (المرحلة الحسية الحركية)، حيث يتعرف الطفل على العالم من حوله بالحواس والحركات، فهي مرحلة الرصد والاستكشاف بالحواس الخمسة، فيرى ويسمع ويلمس ويشم ويتذوق ويجرب الحركات ليستطلع وظائفها وتأثيراتها، ويقلد السلوكيات بلا وعي ولا إدراك.واحتياجات الطفل النفسية والاجتماعية في هذه المرحلة تتمثل في تحصيل الثقة الأساسية في العام الأول ثم تحصيل الذاتية والاستقلال في العامين الثاني والثالث.
ثم تبدأ مرحلة تكوين المفاهيم في الفترة من 3-6، حيث يبدأ الطفل بالتعرف على الأمور من بداياتها فليس عند الطفل بديهيات ولا مسلمات ولا أي فكرة عن أي موضوع؛ لذا يجب أن نبدأ معه من الصفر نكون مفاهيمه ونعرفه على كل شيء.
العدوانية بين الطبيعي وغير الطبيعي:
العدوانية منها ما هو طبيعي ومنها ما هو غير طبيعي، والعدوانية غير الطبيعية منها ما هو موروث وما هو مكتسب، والعدوانية الموروثة لا تظهر إلا بتوفر البيئة التي تساعد على ظهورها، والعدوانية المكتسبة تأتي من البيئة المحيطة وتأثيراتها التي تصنع شخصية الطفل.
أولا- العدوانية الطبيعية:
والعدوانية الطبيعية هي العدوانية البسيطة المقبولة التي تلزم الحاجة إليها أحيانا، حيث لها بعض الوظائف مثل اكتشاف القدرات ورد العدوان وحماية النفس والطفل الهادئ تماما، السهل تماما، الوديع دائما، الذي لم يتشاجر أبدا هو طفل غير طبيعي، وإذا زادت العدوانية عن القدر الطبيعي المقبول أو انعدمت تماما إذا فهناك خلل في تكوين الشخصية.
مراحل تطور العدوانية الطبيعية:
- بدءًا من 6 أشهر: يبدأ ظهور سلوك يسمى سلوك السيادة والتفوق، حيث يحاول الطفل أن يسود المواقف وأن يتفوق على من حوله.
- وبعد الشهر التاسع: يبدأ الطفل في ممارسة اللعب بطريقة هجومية قد تبدو أنها سلوك غير مهذب مثل شد شعر الأم أو الأب أو من يتعامل معه، ويبدأ لعبة قذف الأشياء، فقد يلقيها في وجه من يقابله أو يلقيها من النافذة أو هنا أو هناك، وذلك من باب الاستكشاف وهو في هذه المرحلة لا يستطيع إدراك العلاقة بين الفعل ونتيجته المترتبة عليه.
- وفي السنة الثانية: يحاول الطفل فرض نفسه على الآخرين، ويبدأ العناد، واستكشاف الأشياء وتفكيكها من أجل التعرف عليها، والذي قد يفسره البعض بالتخريب.
- وفي مرحلة الطفولة المبكرة من 3- 6: تزداد الميول والممارسات العدوانية وتكثر نوبات الغضب وخصوصا في السنتين الثالثة والرابعة ويلتقط الطفل الشتائم من الوسط المحيط به ويمارسها على من حوله كما التقطها.
- الفترة من 7- 12: مرحلة الطفولة الهادئة، حيث تقل الميول العدوانية، لكنها لا تختفي وتظهر فيها المنافسة بوضوح والتراشق بالكلمات.
- مرحلة المراهقة: مرحلة عنيفة، تحمل المزيد من الانفعالات عموما ولها عدة أنماط منها المراهقة العدوانية.
ثانيا- العدوانية غير الطبيعية:
إذا زادت الميول والممارسات العدوانية عن النسق الطبيعي عبر المراحل السابقة.. إذن فهناك خلل يحتاج إلى تشخيص وعلاج، ويبدأ ذلك باكتشاف الأسباب التي قد ترجع إلى العوامل الآتية:
1- غياب التعامل الصحيح مع مراحل تطور العدوانية:
فالطفل إذا وجد احتواءً وتهذيبًا وتوجيهًا وتوضيحًا للمفاهيم تخف هذه الميول وتكون في مستواها الطبيعي، أما إذا قوبلت بعنف أو تساهل يحدث الخلل، فالعنف يولد مزيدًا من العنف، والتساهل يدفع لمزيد من العنف أيضًا؛ لأن الطفل قد يستقبل هذا التساهل كأنه مكافأة على ممارساته فيستمرئ الأمر ويزيد فيه.
2- أسلوب تعامل الأسرة وتعلم العدوانية:
الأسر الهادئة صاحبة السمت الهادئ والصوت الهادئ والتفاهم الجميل والحوار الراقي أبناؤها هادئون، والأسر العنيفة صاحبة الصوت العالي والحوار الصاخب والعراك والمشاجرات والتي يحل فيها العقاب والضرب مكان الحوار والتفاهم أبناؤها عنيفون.. لذلك يتعلم الطفل العدوانية ويلتقطها إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة:
أ- تعلم العدوانية بطريقة مباشرة، للأسف الشديد بعض الأسر تتعمد تعليم الطفل العدوانية أو تدفع أبناءها للعنف وتحرضهم عليه من باب الرغبة في العدوانية أو الفرح بقدراتهم كأن يقولوا له: (اشتم أمك.. اشتم جدك.. اتفل في وجه عمك.. اضرب أمك.. اضرب أختك اضرب ابن الجيران..)، ويقابلون هذا بالضحك والفرح والسرور، فيكبر الأطفال على العدوانية ولا يحترمون أحدا.. وعلى حد تعبير أحد الآباء للأسف يقول: (أريد لابني أن يكون ولدا شرسا أو "صايع".. يضرب الأولاد في الشارع وفي المدرسة حتى يخافوا منه وتكون له مكانة.
ب- تعلم العدوانية بطريقة غير مباشرة، يتعلم الطفل العدوانية بطريقة غير مباشرة في الحالات الآتية:
- أن تكون الأسرة عدوانية وشرسة بطبيعتها فيتقمص الطفل أدوار المحيطين به.
- أن تكون العلاقة بين الزوجين مضطربة وغير مستقرة أو يعتدي أحدهما على الآخر.
- أن تسعى الأسرة لتهذيب سلوك الطفل بشدة وقسوة وعصبية فيتقمص الطفل العدوانية من طريقة التعامل.
3- أسباب أخرى للعدوانية:
- الإحباط وكثرة الضغوط، فالضغط والإحباط ينشأ عنهما العدوان كنوع من التعويض والتنفيس، وكلما زاد الضغط وزاد الإحباط كلما زاد العدوان، وهذا الإحباط قد ينشأ بسبب:
- حرمان الطفل من ذاتيته واستقلاله.
- ضيق مجال حركة الطفل وكبته وعدم إتاحة الفرصة أمامه للجري والقفز والنشاط والانطلاق.
- عدم إشباع فضول الطفل وعدم إعطائه الفرصة للاستكشاف والتعرف على الأمور.
- العدوان المادي على الطفل بالضرب و الأذى الجسدي واستمرار الحرمان وعدم تلبية الرغبات بالقدر الكافي.
- العدوان المعنوي على الطفل، بالسخرية والاستهزاء والزجر والشتم أو بإشعاره بالضجر منه أو بأنه شخص غير مرغوب فيه وفقدان الثقة الأساسية المتبادلة.
- مقارنته بغيره أو أن يشعر الطفل بفقدان مكانته أو بتفضيل إخوته عليه مثل المولود الجديد.
- تجاهل الطفل وعدم احترامه وتقديره والاهتمام به بالقدر الكافي؛ مما يولد لديه رغبة شديدة في لفت الأنظار وجلب الانتباه حتى لو بالعدوان على نفسه أو الآخرين.
- تكليف الطفل بما يكلف به الكبار وكثرة تقديم الأوامر والتعليمات ومعاقبته ومحاسبة.
خطوات علاجية:
1- التعامل الصحيح مع مراحل تطور العدوانية الطبيعية.
2- ضبط سلوك الأسرة وتقديم النموذج والقدوة وتوفير المناخ المناسب بالتوافق والانسجام بين الزوجين.
3- إزالة الأسباب الدافعة للعدوانية.
4- زيادة ساعات التواجد مع الطفل مع زيادة جرعات الحب والحنان، فالطفل العدواني في حاجة إلى مزيد من الود واللين والرفق والاحتضان حتى تقل حدته وتخف عدوانيته.
5- التعرف الجيد على خصائص المرحلة السنية، والتعامل مع الطفل بما يتناسب مع مرحلته وتلبية احتياجاته في كل مرحلة.
6- التعرف الجيد على مراحل قدرة الإنسان على إدراك التكليف والمحاسبة على تصرفاته حتى لا نعتدي على الطفل بتكليفه قبل أوان التكليف ومحاسبته قبل أوان المحاسبة.
7- إفساح المجال أمام الطفل للعب والمرح والانطلاق والخروج به في الأماكن المفتوحة والهواء الطلق والحدائق والمنتزهات العامة لتوظيف طاقته بدلا من تفريغها في العدوان.
8- احترام وتقدير شخصية الطفل ودعمه بالثناء والتشجيع والهدايا والمكافآت وتجنب لومه أو توبيخه أو السخرية منه.
9- توفير أطفال هادئين قدر المستطاع ليمارس معهم اللعب ويتعلم منهم التفاهم والهدوء.
10- أصحاب الميول العدوانية الزائدة يمكن أن نلجأ للتنفيس بتوفير وسادة يفرغ فيها طاقته باللكم المتكرر، وكذلك إشراكه في لعبة من ألعاب الدفاع عن النفس مثل: الكاراتيه والكونغ فو والتايكوندو كنوع من التوظيف المناسب لهذه الطاقة.
11- تجنب وصم الطفل واتهامه بالشراسة والعدوانية أو أنه شخصية مزعجة حتى لا نؤصل عنده السلوك ونثبته.
12- تجنب معاقبة الطفل المعتدي؛ لأن هذا نوع من تعليم العدوان؛ فضرب الطفل الذي يعتدي على الآخرين هو الوسيلة الدافعة له لمزيد من العدوان فالطفل يمارس ما يمارس عليه؛ فالطفل المخطئ الذي يجد صدرا واسعا حانيا يفهمه الصواب ويعلمه السلوك الصحيح بهدوء ودون غلظة أو عنف أو ضرب, حينما يواجه مخطئا سيعامله بنفس الطريقة؛ أما الطفل الذي حينما يخطئ يجد من يتصدى له بالصوت العالي والشتم والضرب فسيمارس نفس الشيء مع أقرانه أو زملائه وسيكون هذا أسلوبه وهذه طريقته في الحياة.
بارك الله في الابن الحبيب الغالي معاذ وأنبته الله تعالى نباتا حسنا وجعله زخرا للإسلام والمسلمين ونحن في انتظار تواصلك معنا ونحن معا نربي أبناءنا بإذن الله تعالى وفقك الله لكل خير.
مراجع
ـ بكاء وعدوانية ابنة العام .. كيف أتعامل معهما؟ ـ أسباب العدوانية عند الأطفال ـ العدوانية بين الضرورة ورد الفعل الابن العدواني.. العنف طاقة أم أذى؟!
_______________
المصدر : اسلام أون لاين |